فوزي آل سيف

57

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

ومن كان نائياً بعيد الشقّة فليتعمّد لإيصاله ولو بعد حين، فانّ نية المؤمن خير من عمله، فأمّا الذي أوجب من الضّياع والغلات في كلّ عام فهو نصف السّدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك[124]. ونستفيد من هذه الرواية فوائد عبر الملاحظات التالية: 1/ إن هذه الرواية تامة سنَدًا عند علماء الإمامية على اختلاف مسالكهم في تصحيح الروايات وبالتالي فيمكن الاعتماد عليها والاستناد لمضمونها. وهي من جملة ما كتبه الإمام الجواد عليه السلام لأصحابه. 2/ إن تاريخ الرسالة يتوافق مع آخر سنة في حياة الإمام الجواد عليه السلام وهي سنة 220ه‍. وفيها التخفيف على شيعته وإعفاؤهم من دفع الخمس[125] الواجب عليهم في كل ما كسبوه، عدا ما يرتبط بالذهب والفضة، وكان ذلك «تخفيفا منّي عن موالي ومَنًّا مني عليهم لما يغتال السّلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم» فالإمام عليه السلام وهو يستشعر حاجة الناس وضيق ذات يدهم الناتج من تسلط الحاكمين، فيخفف عليهم في تلك السنة، وهي التي ستكون آخر سنوات حياته. 3/ من خلال هذه الرواية سيتضح أمور متعددة؛ منها أن لفظ الغنيمة والغنائم لا ينحصر في الحرب، وهذا هو جوهر الخلاف بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام وبين مدرسة الخلفاء، فهي تشمل الغنيمة التي يغنمها والفائدة التي يستفيدها والميراث غير المحتسب أو المتوقع، وهكذا.. وقد قرن الغنائم والفوائد في جملة واحدة واستدل عليهما بآية {وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}[126]. ومنها سيثبت أيضاً أن الخمس في أرباح المكاسب كان سيرة جارية بين الشيعة الذي يؤدونه إلى أئمتهم، بشكل مستمر، وللإمام الجواد منذ إمامته قبل نحو ستة عشر عاماً، حتى إذا جاءت هذه السنة 220 ه‍ خفف عليهم فلم يأمرهم بأدائه إليه. ومعنى هذا التخفيف والتوقف بالتالي كونه سيرة مستمرة سابقة! ومنه يكتشف أن ما يقال من أن الأئمة لم يكونوا يقبضون الخمس أو يطلبونه ليس صحيحا[127].

--> 124 الحر العاملي: وسائل الشيعة (آل البيت)٩/٥٠١ 125 الخمس في الإسلام هو كالزكاة واجب ديني في أموال المسلمين (في أصناف خاصة: كالغنائم الحربية والمعادن والكنز وارباح ومكاسب الانسان المسلم الفائضة عن مؤونته السنوية) ويساوي 20% من كل ذلك ولذلك يطلق عليه الخُمْس وفي الرواية بيان بعض أدلته الدينية. وفيما اقتصر فقهاء مدرسة الخلفاء على الأمور الثلاثة الأولى وجعلوه في بيت المال التزم الإمامية بأن أمره راجع إلى النبي في زمانه والإمام المعصوم ومن بعده الفقهاء المراجع في زمان غيبة الإمام الثاني عشر وبحسب الآية جعلوا مصرفه في شؤون فقراء الهاشميين وفي مصالح المسلمين تحت إدارة الإمام المعصوم أو نائبه العام.. 126 سورة الأنفال: 41 127 تفاصيل خمس أرباح المكاسب وتاريخه تجده في سلسلة: قصة تشريع العبادات في الإسلام للمؤلف.